ابن العربي
291
أحكام القرآن
المسألة الأولى - الحبل : لفظ لغوى ينطلق على معان كثيرة ؛ أعظمها السبب الواصل بين شيئين . وهو هاهنا مما اختلف العلماء فيه ؛ فمنهم من قال : هو عهد اللّه ، وقيل : كتابه ، وقيل : دينه ؛ وقد روى الأئمة في الصحيح أنّ رجلا جاء إلى النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم فذكر له حديث « 1 » رؤيا الظلّة التي تنطف عسلا وسمنا ، وفيه قال : ورأيت شيئا واصلا من السماء إلى الأرض . . . الحديث إلى آخره ، وعبّر الصدّيق بحضرته عليه السلام ، فقال : وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فهو الحقّ الذي أنت عليه ، فضرب اللّه تعالى على يدي ملك الرؤيا مثلا للحقّ الذي بعث به الأنبياء بالحبل الواصل بين السماء والأرض ، وهذا لأنهما جميعا ينيران بمشكاة واحدة . المسألة الثانية - إذا ثبت هذا فالأظهر أنه كتاب اللّه ، فإنه يتضمّن عهده ودينه . المسألة الثالثة - التفرق المنهي عنه يحتمل ثلاثة أوجه : الأول - التفرق في العقائد ، لقوله تعالى « 2 » : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ . الثاني - قوله عليه السلام « 3 » : لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا ، ويعضده قوله تعالى : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً . الثالث - ترك التخطئة في الفروع والتبرّى فيها ، وليمض كلّ أحد على اجتهاده ؛ فإنّ الكلّ بحبل اللّه معتصم ، وبدليله عامل ؛ وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : لا يصلينّ أحد منكم العصر إلّا في بني قريظة ؛ فمنهم من حضرت العصر فأخّرها حتى بلغ بني قريظة أخذا بظاهر قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ومنهم من قال [ 99 ] : لم يرد هذا منّا ، يعنى وإنما أراد الاستعجال فلم يعنف النبىّ عليه السلام أحدا منهم .
--> ( 1 ) صحيح مسلم : 1777 ( 2 ) سورة الشورى ، آية 13 ( 3 ) صحيح مسلم : 1983